الاثنين، 9 نوفمبر 2015

اِبْتِهاج ........ لـــــ سمير عَصَرْ المُحامى.....صفوة الكُتَّاب العرب

حَبَكَ لَفَّ عِمَامَتة عَلَى رَأْسِهِ وفرك سَعْفَان الصَّغير مأذون "كَفْر اللوَايشه" كفّيه بارتياح فقد تَهَيّأَ لإستقبال الشَّيْخ خَلَف الشِّبْلى زَبَونه القديم، لَقِيَهُ على باب مكتبه بِبِشْرٍ وَبَشاشَةٍ تزلُّفًا إليه وتزاحَمَت على لسانه عبارات الإطراء والثناء والتفخيم؛ جلس الشَّيْخ خَلَف صامتاً لا ينْبَس ببنت شفه، سكت سَعْفَان مُتحيراً يترقَّب كلمة الشَّيْخ؛ بعد لأىٍ فاه الشَّيْخ خَلَف بكلمةِ واحدة : اِبْتِهَاج .
تهلل وجهُ سَعْفَان وصَخَبَ بقوله : وهل نحيا سوى بسعادتك وهَناءك وانشراحك وابتهاجك، فى خدمتك، طوع أمرك وإشارة بنانك عشرات الصَبَايَا الأبكار الحِسَان لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ ولا جان .
لجَّمه الشَّيْخ بإشارة من يده وعاد يقول بضجر : اِبْتِهَاج .
قام سَعْفَان من فوره، سحب ألبوماً للصور كان قد أعدّه سَلَفًا، فَرَجَه بزهوٍ أمام ناظرى الشَّيْخ الهرِم ؛ نحاه الشَّيْخ بضجر وردَّد : اِبْتِهَاج ؛ اِبْتِهَاج ياصنم ياحجر ياضَبّ ؛ أبغى اِبْتِهَاج ... اِبْتِهَاج .
أسقط فى يد سَعْفَان الصَّغير ووقف صامتاً لايحر بكلمة، فعاجله الشَّيْخ خَلَف بقوله : اِبْتِهَاج مَرَتْى .
فغر سَعْفَان فاه وتدلت شفته السفلى، حك ذقنه النابتة مُتحيراً وتساءل : اِبْتِهَاج ... اِبْتِهَاج ؟! .
فزجره الشَّيْخ خَلَف : أَيْشْ بك ؟!؛
قَعَدَ سَعْفَان مَبْهوتاً ؛ وقال بهدوء ووَجَل : مرّت أربع سنوات،لم أسمع بخبر عنها مُنذ سَفَر صاحبِ السُّمُوّ .
أخرج الشَّيْخ خَلَف رزمة من المال رمى بها باِزْدِرَاءٍ فى حجر سَعْفَان، لَقِفَ سَعْفَان الريالات وسُرعان مادَسّها فى طيات ملابسه ولَمَّ عباءته حول جسمه بإحكام؛ صَرَّحَ الشِّبْلى بغايته آمراً : أَبْغَى اِبْتِهَاج ؛ فهمت عنى ؟ .
خرج الشَّيْخ خَلَف ومن ورائه سَعْفَان ليجدا فى انتظارهما جَمْهَرَة من الصبايا تحلقن حولهما؛ مضى الشَّيْخ خَلَف يَحْجُلُ في مِشْيته يعكَز على عُكَّازَتِهِ، يقفز سَعْفَان أمامه يوسع له الطريق إلى السيارة الفاخرة؛ هَدَرَ مُحَرِّكُ السَّيَّارَةِ ودَرَجَت ببطء يتنكّب قائدها الصَبَايَا اللائِي تَتَعَرَّضن لها، يدفع بهن أهاليهن دفعاً فى عرض الطريق .

لمْ يضيع سَعْفَان الصَّغير وقته، هشّ على الخَلْق بيده مُلوِّحاً صَادِحاً بمرح : بالدَّوْر يا غَجَر . ركب سيارته البيجو وانطلق من فوره ينهب الأرض نهباً فى طريقه إلى " ميت العَرَايا " . وقف يتأمل بيت أبو حجر المبنى بالآجُرّ و الأسْمَنْت المُسلَّح هُنيهة ثُم صفق بيديه : ياساتر ... ياست حَمْدِيّة .
خرجت إمرأة جسيمة البَدَنِ تستقبله ببشاشة، دخل صالة البيت الواسعة؛ أبو حجر يجلس مُتكئاً قابضاً على مَبسِم النارجيلة يدخن التبغ المُعَسَّل، ألقى عليه سَعْفَان تحية مُبتَسَرة غير آبه به وجلس على الأَرِيكَة بأريحية ينظر إليها، يتأملها، قَلَصَت شفته بشبه ابتسامة ساخرة وزَفْرَة نُفِثت من أنفه فَكَهًا إِهْتَزّ لها رأسه، مرر يده يتحسس بها قماش الأريكة؛ التفت إلى الست حَمْدِيّة وسألها : الله !... أين اِبْتِهَاج ؟ .
قالت له حَمْدِيّة وهى تفتح باب الثلاجة التى تعلو قامتها بأشبار : اِبْتِهَاج فى "عزبة النُص" ... ماشاء الله عندها طفلان الآن .
سكت سَعْفَان هنيهة ثُم تساءل بخبث : وُلْد من ؟ .
ردت عليه حَمْدِيّة باستهانة وهى تقدم له زجاجة مياه غازية : زيجة الندامة، عَيِّل تافه بَنّاء يعمل يوم وينام عشرة ... يالله النصيب .
رد سَعْفَان مؤنباً : آه ... تزوجت دون أن أدرى ؛ وتم العقد على يد مأذون غريب ... فيكم الخير ...آخره ؛ الظاهر أنهُ لم يبلغك آخر الأخبار .
اشرأب عنقها مُستطلعة، هز رأسه وقال : الشَّيْخ خَلَف وصل من الحجاز .
تهلل وجه حَمْدِيّة وصاحت : الشِّبْلى ؟! ... وصل ؟ ... والله زمان ... يابنت يا مُهجه ... يا مُهجة .
جاءت على إِثْر ندائها صبية صغيرة عجفاء أَشاحَ سَعْفَان وَجْهَهُ عَنْها وقال بجدية : جئت إليكِ فى مسألة أخرى ياست حَمْدِيّة ..... بيتكم جميل ، بَراح ماشاء الله الوهّاب .
ربتت على كتفه : ربى يخليك، يسعدك، كُله من خيرك .
فأردف : آن الأوان ؛ أذن المولى الكريم ببناء الدور الثانى ؟ .
جذبت حَمْدِيّة ابنتها مُهجة من كتفها وثبتتها بين فخذيها وانشغلت يداها بتضفير شعرها المَنْفوش دون أن تنزل عينها عن وجه سَعْفَان، ألقت إليه السَّمْع بإصغاء واهتمام ؛ راح يهمس إليها؛ ضربت بيدها على صدرها مستنكره : مرته ؟! .. قلت لى طلقها ... أين قسيمة الطلاق ياسَعْفَان ؟ .
التفت سَعْفَان بآلية ناحية أبو حجر الغارق فى امتصاص الدخان وعاد يقول لها مُحذراً : إخفضى صوتك ياامرأَة .
ثُم لان صوته : جرى ايه ياحميده ... إِيهًا ياأم اِبْتِهَاج ؛ أي قسيمةٍ ؟؛ يبدو أنك نسيتى ... كان شغلاً أمام الناس فقط ، لا وثيقة زواج ولا طلاق .. هو أنا أهطل .... زواج عرفى .. والورقة معى .
قالت بحيرة : اِبْتِهَاج متزوجه الآن .
رد بسرعة : لايهُمّ ... واحمدى ربنا أن الشِّبْلى لايعلم بشىء ... فلوس بالهبل ياحميدة .... فلوس بالهبل .
نكست رأسها فى خضوع ؛ واِمتَطَى سَعْفَان رقبتها يَفُحُّ فى أذنيها .
عضَّت اِبْتِهَاج على شفتها وهى تزوم : فليذهب فى داهية، قَطيعة تقطع خَبَره الكلب المسعور .
همست أمها : يابنت؛ نحن من سيروح فى داهية، يابنت هو كان طلقك ؟ ورقته معه وسييجرِّسك ويجرجرك فى المحاكم، قادر وفاجر .
زَمْزَمَت اِبْتِهَاج فى يأس : أنا على ذمة رجل .
شهقت أمها ومسحت جبينها ببنانة إصبعها الوسطى وقالت : رجل ؟!، هذا النائم على بطنه طوال النهار والليل ... الشِّبْلى يابنت، الشِّبْلى، عشتِ معه كالسنيورة فى أحسن لوكاندة فى مصر كُلها .
قالت إبْتِهَاج : وراح، لاعنوان ولا حتى صورة، فص ملح وذاب .
ربتت حَمْدِيّة بيدها على أسورتى الذهب فى رُسْغ يَدِ اِبْتِهَاج وقالت : شهر فقط، لم يمكث معك سوى شهر واحد؛ بنينا البيت، الصِّيغَةُ لعلعت فى يدك وبقى لكِ فلوس فى البوستة .
حملقت إليها اِبْتِهَاج وقالت وهى تنتحب : وتبقى مبسوطة لما أرجع لكِ بعد شهر دمى يَشخَب من وراء ومن قُدام ؟! .
قاطعتها أمها بغلظة : قومى قومى .؛ وبلهجة مُداهنة ناصحة : سأبنى لك شقة في الدور الثانى وتتحصّلى لك ياعبيطة على قرشين حلوين .، وعادت بلهجة حاسمة تصخب : فِزّى يابنت، فِزّى قومى لمى هدومك لازم نكون في "كَفْر اللوّايشة" قبل العشاء .
جلست اِبْتِهَاج تضع يداً على خدها يسح دمعها وبالأخرى تحضن طفلاً على حجرها يلتقم ثديها والطفل الثانى يحبو جانَبها، لايُسمع فى البيت سوى كركرة النارجيلة وانشغلت الصغيرة مُهجة فى أحد الأركان تعبث بعروستها الدُمية تُزينها .
قطع السكون تصفيق ونداء يأتى من الخارج : ياساااتر ياست حَمْدِيّة ! .
هرعت حَمْدِيّة تستقبل الوَفْدُ القادم، دخل سَعْفَان يتأبط راضي زوج اِبْتِهَاج؛ جلسا متجاورين على الأريكة، وضع سَعْفَان دفترة على الطاولة أمامه، سحب سيجارة من عُلبة سجائره الأجنبية، نَتَشَها راضي، أشعلها له وغَمَزَهُ بِعَيْنِهِ وهو يمتص دخانها بشراهة : إرمْ عليها اليمين
التفت راضي ناحية اِبْتِهَاج ودون أن يرف له جَفْن، نطق بصوت جَهْوَرِيِّ والدُخان يَدفُق من فيه : أنتِ طالق بالثلاثة .
مسك سَعْفَان بإبهامه مَسْكَةً مُحكمة، بصم ورقة بيضاء ؛ تساءلت حميدة : والشهود ؟! ؛ ردّ سَعْفَان بصَفَاقَة : فيما بعد، فيما بعد .